أحمد أمين
71
كتاب الأخلاق
كان عمله شرا ، وإن كانت لذتها تغلب آلامها ، فلدقة التعبير يجب أن نقول : إن العمل يكون خيرا إذا كان العامل لا يمكنه أن يعمل بدله عملا آخر أكبر منه لذة . وإذا كانت هناك أعمال يخير بينها الإنسان ، وكان واحد منها فقط يسبب أكبر لذة ، قيل : إن هذا العمل ينبغي أن يعمل وما عداه ينبغي ألا يعمل . أما إذا استوت جملة أعمال اللذة والألم لم يكن أحدها فقط هو الذي ينبغي أن يعمل ، بل كل عمل منها خير ويصح أن يعمل غيره « 1 » . واللذة التي يقول بها أصحاب هذا المذهب ليست لذة العامل وحده كما يقول الأبيقوريون ، بل لذة كل من لهم علاقة بالعمل ، ويجب على العامل عند حساب نتائج عمله ألا يتحيز لنفسه ، بل يجعل خيره وخير غيره سواء . وسعادة الجميع يجب أن تكون مطمح نظر كل إنسان لا سعادته هو وحده . والفضائل إنما عدت فضائل لأنها تنتج لذة للناس أكثر مما تنتج من الآلام ، فهي فضائل ولو آلمت بعض الأفراد ، ولو آلمت العامل نفسه ، وكذلك كانت الرذائل رذائل ؛ لأن آلامها للناس ترجح لذائذها . فالصدق مثلا إنما كان فضيلة لأنه يزيد سعادة المجتمع وبه يرقى ويبقى ؛ ذلك لأننا محتاجون في الحياة إلى طبيب يرشدنا إلى ما فيه حفظ صحتنا وإلى مهندسين نعتمد على أقوالهم في بناء الجسور ونحوها ، وإلى كيمائي يبين لنا خواص الأجسام ، وإلى مدرس يلقف عقول المتعلمين بما ينفعهم ، ولولا الصدق ما كان لنا أن نثق بأقوال هؤلاء ولا أن ننتفع بآرائهم ، فلما رأينا ما ينجم عنه من السعادة للمجتمع حكمنا بأنه فضيلة وأوجبنا على الأفراد أن يصدقوا ، وإن كان في الصدق ألم لبعضهم . ورشوة القاضي مثلا إنما كانت رذيلة لأن القاضي إذا ارتشى أطلق سراح المجرم ، وهذا يشجعه هو وأمثاله على ارتكاب الجرائم لاعتقاده أنه يستطيع الفرار
--> ( 1 ) كثيرا ما يوصف مذهب المنفعة بأنه المذهب القائل « بأكبر لذة لأكبر عدد » ، وهذه العبارة منتقدة فإنها تشعر بأننا إذا خبرنا بين لذة كبرى لعدد قليل ولذة صغرى لعدد أكبر نختار الثانية لأنها أكبر لذة لأكبر عدد ، وهذا خطأ ؛ فإن المذهب يرى تفضيل الأولى لأن المدار عنده هو اللذة فحيث كانت اللذة أكبر كان العمل أفضل ، ولو نالت شخصا واحدا .